انقلاب حماس الآخر | الجمهور

الثلاثاء, آيار (مايو) 9, 2017 - 09:29 بتوقيت جرينتش

عمرو حمزاوي

اليوم، أصبحت حركة حماس العنصر الأهم في تحديد سياسات الحكومة المصرية تجاه فلسطين وقضايا شعبها.
في 1 أيار / مايو 2017، أعلنت حركة حماس وثيقتها التأسيسية المعدلة ـ وثيقة المبادئ والسياسات العامة، وبها قبلت حل الدولتين وتراجعت عن رفضها لتسوية سياسية بين الفلسطينيين وإسرائيل في إطار حدود 1967. وعلى الرغم من أن ذلك مثل انقلابا جذريا في مواقف حماس التي صبغت دورها في الحياة السياسية الفلسطينية منذ ثمانينيات القرن العشرين، إلا أن حكومة الجنرالات في مصر راجعت الوثيقة المعدلة بحثا عن انقلاب آخر وتعديلات أخرى ذات صلة بالشأن الداخلي المصري. وفقا لبيانها الأول تأسست حماس في 1987 كحركة مقاومة فلسطينية ذات مرجعية إسلامية وكامتداد لجماعة الإخوان المسلمين، ودأبت قيادات حماس في الداخل الفلسطيني وفي الخارج على تأكيد الانتماء الفكري والسياسي للإخوان طوال العقود الماضية. في الوثيقة المعدلة، أسقطت حماس الإشارة إلى هويتها كامتداد لجماعة الإخوان واكتفت بتعريف نفسها كحركة «تحرر ومقاومة وطنية فلسطينية إسلامية، هدفها تحرير فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني، مرجعيتها الإسلام في منطلقاتها وأهدافها ووسائلها.» ولأن فك الارتباط مع الإخوان تلاقى مع هوى حكومة الجنرالات في مصر، احتفى الإعلام المدار أمنيا بانقلاب حماس الآخر واعتبره دليل واقعية سياسية وابتعاد عن إغضاب الشقيقة العربية الكبرى.
غير أن حكام الشقيقة الكبرى كانوا قد اختزلوا سياسة مصر تجاه فلسطين إلى «مسألة حماس»، وتراجعوا عن العديد من مرتكزات الدور المصري كما تبلور منذ ثمانينيات القرن العشرين (بعد اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية) كمفاوض ووسيط بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي عينه على حقوق ومصالح الشعب الفلسطيني وهدفه التمكين لتسوية سلمية في إطار حل الدولتين. فقد تدهورت العلاقات بين الحكومة المصرية وحماس في أعقاب انقلاب الجيش على الرئيس المنتخب محمد مرسي وإزاحته جماعة الإخوان المسلمين بعيدا عن مراكز صنع القرار في 3 تموز/يوليو 2013.
لم يثق حكام ما بعد الانقلاب في حماس التي اعتبروها حليفا طبيعيا للإخوان، وروجت وسائل الإعلام المدارة أمنيا دون دلائل لاتهامات تتعلق بتورط عناصر حماس في تهريب السلاح إلى الداخل المصري دعما للإخوان وبمشاركة الحركة في الإعداد لعمليات إرهابية في سيناء وفي أماكن أخرى لزعزعة الاستقرار وتهديد الأمن القومي. وفيما خص قطاعات واسعة من الرأي العام المصري، لم تكن نتيجة «الحملة على حماس» سوى صعود المشاعر المعادية لها من جهة، ومن جهة أخطر النزوع الشعبي لتجاهل القضية الفلسطينية وتراجع التعاطف مع الحق الفلسطيني في تقرير المصير والدولة المستقلة وفي وقف الإجرام الاستيطاني في الضفة الغربية ورفع الحصار عن قطاع غزة.
عوضا عن توظيفها لضرب الحصار الظالم على غزة، تحولت الحدود بين مصر والقطاع إلى أمر صراعي بامتياز وصار إغلاق الأنفاق التي دوما ما استخدمت لتمكين أهل غزة المحاصرين من الحصول على مستلزمات الحياة والبناء والمواد الطبية والبضائع الأساسية قضية أمن قومي. على خلاف سياسة حكومات الرئيس الأسبق مبارك وحكومة الرئيس محمد مرسي التي أغمضت العين عن الأنفاق، اتخذت حكومة الجنرالات خطوات عسكرية وأمنية متسارعة لإغلاق الأنفاق هدما وإغراقا وللتمكين للسيطرة الكاملة على الحدود وصولا إلى الإغلاق شبه الدائم للمعابر بين مصر والقطاع دون اعتبار للمأساة الإنسانية للفلسطينيين. ولأن الحكومة المصرية روجت لتصعيدها ضد حماس كضرورة يقتضيها دحر الإرهاب في سيناء، فإن استمرار تدهور الأوضاع الأمنية هناك والفشل في الحد من جرائم عصابات الإرهاب التي تمددت من شمال سيناء إلى مناطق الوسط والجنوب رتبا المزيد من التصعيد ضد حماس التي باتت دون دليل محل اتهام بالتورط في الإرهاب. في 2013 و2014، توقف الحوار بين حماس وبين السلطات المصرية بما في ذلك جهاز المخابرات العامة الذي تولى تقليديا إدارة ملفات حماس وغزة.
عندما بدأت حكومة اليمين الإسرائيلية حربها على غزة في تموز / يوليو 2014، امتنعت الحكومة المصرية عن التحرك الدبلوماسي إقليميا وعالميا لوقف العدوان وتحقيق وقف لإطلاق النار. وكسر هنا مرتكز آخر لسياسة الرئيس الأسبق مبارك وسياسة الرئيس مرسي تجاه فلسطين، كان جوهره التدخل السريع في لحظات التصعيد العسكري. بدت حكومة الجنرالات مرحبة بأهداف الحرب الإسرائيلية، معاقبة حماس والقضاء على قدراتها العسكرية. وبدت قطاعات واسعة من الرأي العام المصري متوافقة مع مكيافيلية الموقف الحكومي الذي روج لكون حماس تمثل تهديدا للأمن القومي ولكون معاقبتها إسرائيليا تتلاقى مع المصالح المصرية. خلال أيام الحرب، لم تشهد المدن الكبرى كالقاهرة والإسكندرية مظاهرات أو مسيرات للتضامن مع فلسطينيي القطاع، وعوقت السلطات المصرية وصول قوافل المساعدات الشعبية إلى القطاع، وحمل الإعلام على حماس باتهامات الإرهاب والعمالة لجماعة الإخوان الإرهابية.
شكلت حرب إسرائيل على غزة 2014 النقطة الأكثر هبوطا في منحنى تدهور العلاقات بين حماس وبين حكومة الجنرالات في مصر.
وفي أعقابها وبعد أن اتضحت قسوة العقاب الإسرائيلي، تغيرت السياسة المصرية لتعاود الانفتاح التدريجي على حماس بمكيافيلية رامت الإفادة من الضعف المرحلي للحركة. طلب من قيادات الحركة إعلان الابتعاد التام عن جماعة الإخوان المسلمين والتعاون الأمني مع السلطات المصرية لضبط الحدود، وفي المقابل تبلور وعد مصري بتطبيق نظام مرن بشأن المعابر مع قطاع غزة والابتعاد عن إغلاقها الكامل والمستمر. وبالنظر إلى الأوضاع المعيشية الكارثية لأهل غزة والدمار الذي أحدثته حرب 2014، فضلا عن حملة إغلاق وإغراق الأنفاق المتواصلة مصريا، لم يكن أمام حماس سوى قبول شروط حكومة الجنرالات. لذا، لم تحمل وثيقة المبادئ والسياسات العامة انقلابا وحيدا على مواقف حماس الماضية بشأن رفض التسوية السلمية، بل جاءت بالانقلاب الآخر على جذورها الفكرية والسياسية بفك الارتباط مع الإخوان.

Filtered HTML

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.
رمز التحقق
هذا السؤال للتآكد من انك زائر حقيقي و منع نشر السبام على الموقع
Image CAPTCHA
أدخل الحروف الظاهرة في الصورة.