إذ تصبح الأوقاف حلاً | الجمهور

الأحد, آيار (مايو) 14, 2017 - 10:58 بتوقيت جرينتش

فهمي هويدي

الوقف في تركيا واقع يشارك في صنع الحياة، وليس تاريخا طويت صفحته وطمست معالمه. تلك إحدى الخلاصات التي خرجت بها أثناء مشاركتي في ملتقى القدس الدولي الذي عقد باسطنبول في الأسبوع الماضي. إذ لفت نظري أثناء الحوارات التي جرت حول الدور الذي تقوم به الأوقاف في تركيا أنها تمول الأغلبية الساحقة من أنشطة المجتمع المدني في جميع المجالات. فثمة مساجد موقوفة في كل حي يتولاها مجلس إدارة يمثل فيه الأهالي. وهذا المجلس يباشر مختلف الأنشطة الخيرية من رعاية الضعفاء والمحتاجين وتشجيع أهل العلم وتحفيظ القرآن وإحياء المناسبات الدينية، إلى غير ذلك من الأنشطة التقليدية. وإلى جانب ذلك فثمة توسع هائل في مصارف الوقف الذي بات يمول ما لا حصر له من الأنشطة الاقتصادية والثقافية والفنية والعلمية. بل إن هناك وقفا للجمعية الكمالية نسبة إلى مصطفى كمال أتاتورك، الذي أسس الجمهورية وفرض العلمانية على البلاد بعد إلغاء الخلافة العثمانية، وهو ما يسوغ لنا أن نعيد التنويه إلى أن مفهوم الوقف في الخبرة التركية تم توسيعه حتى أصبح يمول كل ما ينفع الناس في دنياهم ويسهم في تنمية المجتمع وإثرائه. (قيل لي إن «وقف الطيران» لا يزال قائما، وعوائده تقدم إلى سلاح الطيران كل عام).
من الملاحظات المهمة في هذا الصدد أن كمال أتاتورك الذي قاد حملة إسقاط الخلافة الإسلامية ألغى وزارة الأوقاف لكنه لم يلغِ الأوقاف ذاتها، وإنما أتاح لها أن تستمر وتزدهر حتى صارت إحدى القيم المعتبرة في المجتمع التركي، بحيث أصبح كل قادر حريصا على أن يوقف جزءا من عقاره أو ماله لأعمال البر والنفع العام.
الملاحظة الثانية وثيقة الصلة بالأولى، وخلاصتها أن القانون التركي لا يسمح لأي جهة أجنبية بأن تمول نشاطا أهليا في داخل البلاد لأن المجتمع يتكفل بذلك. كما أنه لا يسمح بفتح فروع لأي مؤسسة أجنبية في داخل تركيا إلا إذا سمحت الدولة التي تنتمي إليها المؤسسة للمؤسسات التركية بأن تمارس نشاطها على أراضيها، إعمالا لمبدأ المعاملة بالمثل.
هذا الدور الحيوي للوقف ليس جديدا، ولكن الجديد يتمثل فقط في تطوير مجالاته وتوسيع نطاقها. وأي دارس لتاريخ المجتمعات الإسلامية يلاحظ أن الأوقاف كانت في مقدمة المؤسسات التنموية التي عرفها التاريخ الإسلامي. ومؤلف الدكتور إبراهيم بيومي غانم «الأوقاف والمجتمع والسياسة في مصر»، يعد أهم وثيقة معاصرة وفَّت هذا الموضوع حقه في التجربة المصرية. إذ رصد فيه مؤشرات الإقبال على الوقف بين مختلف شرائح المجتمع المصري، أثرياؤه وفقراؤه، كما خصص فصلا للأدوار التي قام بها الوقف في مجالات الصحة والتعليم والأسرة والأشغال العامة إلى جانب دعم الحركة الوطنية في مواجهة الاحتلال البريطاني. والحاصل في مصر له نظائره في مختلف أرجاء العالم العربي والإسلامي. إلا أن أهم ما ميز الوقف التركي أنه كان من القوة والرسوخ بحيث إن حركته الفاعلة في المجتمع لم تتوقف على مر الأزمان، ولا تزال تتمتع بتلك القوة والفاعلية حتى الوقت الراهن.
مما ذكره الدكتور إبراهيم غانم في أبحاثه أن الخديوي إسماعيل الذي حكم مصر عام ١٨٦٣ كان من أهم الواقفين، وحين عزل وتم نفيه إلى تركيا، فإنه حرر وقفية في محكمة بشكتاش (أحد أحياء إسطنبول) بتاريخ ٩ شعبان ١٣١٢ الموافق ٤ فبراير عام ١٨٩٥، أوقف فيها للخيرات ٩٥٥٧ فدانا من الأراضي التي يملكها، وأثبت في نهاية الحجة أنه «أوقفها وحبَّسها (لوجه الله تعالي) ولم يعد يملك شيئا يطلق عليه اسم مال خلاف ما على بدنه من الملابس». وبعد نحو ٣٠ يوما (في ٢ مارس من نفس العام) توفاه الله وانتقل إلى رحاب ربه.

Filtered HTML

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.
رمز التحقق
هذا السؤال للتآكد من انك زائر حقيقي و منع نشر السبام على الموقع
Image CAPTCHA
أدخل الحروف الظاهرة في الصورة.