فن ملاغاة السيسي! | الجمهور

السبت, آب (اغسطس) 19, 2017 - 11:28 بتوقيت جرينتش

سليم عزوز

كان وزير الإعلام المصري السابق صفوت الشريف، يسقيه لحسني مبارك بالملعقة، فيدعيه بصفته للسفر مع (الرئيس) بطائرته في جولاته الخارجية، لكن معدة الرئيس المخلوع كانت تأبى أن تهضمه. قدمه صفوت الشريف لمبارك بأنه يمكن أن يكون في خدمته، لكن مبارك لم يكن يتقبله أبداً، وكان «عدم القبول» مرده، إلى حكاية قديمة: كان السياسيون المتضامنون عندما يعودون من الجماهيرية العربية الليبية المحاصرة، يحملون حقائب جلدية متشابهة، ولم يكن لدى أجهزة الأمن أزمة في التمويل الأجنبي من الدول الصديقة، والمقابل بسيط، هو استضافة هؤلاء في المكاتب على الحدود لكتابة مشاهداتهم في الزيارة، فكل ما يهم ضابط أمن الدولة هو «التقرير»!
ذات مرة اتصل الأخ العقيد معمر القذافي بمبارك غاضباً، فكيف تصادر السلطات المصرية الأموال التي يحملها فلان، أثناء عودته من ليبيا؟ إن معنى هذا أن الأجهزة الأمنية لا تعترف بعلاقة الصداقة بين البلدين، كان مبارك منذ عودة العلاقات المصرية – الليبية بعد القطيعة في عهد السادات، يأخذ القذافي على «كفوف الراحة»، ولا يسعي إلى إغضابه!
سأل مبارك القذافي عن مصدر معلوماته؟ فأخبره أنه الكاتب فلان نفسه، وحقق مبارك في الواقعة وثبت له عدم صحتها، وتأكد أن الهدف من إبلاغ القائد الليبي بذلك هو «الطمع» في حقيبة أخرى بدلاً من تلك التي صادرتها الأجهزة الأمنية، واستدعى يومها نقيب الصحافيين، وطالبه بإبلاغ صاحبنا بأن يتوقف عن «الدناءة» ولم تكن عنده في التمويل، ولكن في إدعاء مصادرة لم تقع بحثاً عن الزيادة!
وهذه الواقعة بدت تحول دون قدرة معدة مبارك على هضم «الزبون»، أو «الحريف» بالتونسي، الذي يقدمه له وزير إعلامه صفوت الشريف، لكن الفتى في إحدى الزيارات الخارجية وكان في طائرة الرئيس، وجده غاضباً من «أيمن نور»، فعلم أن هذا هو الباب لقلب الرئيس، فاستباح الضحية بقلمه، وكان «نور» حينئذ مسجوناً، وكان بيني وبين قائد الحملة على «أيمن نور» صديقاً مشتركاً ذهب إليه، وقال له لا يجوز أخلاقياً أن تصل الاستباحة إلى أهل بيت الرجل، في موضوع الأصل فيه أنه خلاف سياسي!
كان «أيمن نور» مستباحاً في معظم الصحف المصرية، وفي برامج «التوك شو»، لكن صاحبنا كان يعلم من أين يوجع، وكيف يرضي مبارك، بدلاً من كتابات الهواة، عن الدكتوراه المزورة، وشهادة الميلاد التي دون فيها اسم والد ليس والده، إلى آخر هذه الخزعبلات! وخرج الصديق المشترك من اللقاء ليتصل بي، ويطلب أن نلتقي خارج المكتب اليوم وحالاً، وبعد أقل من ساعة كنت معه، ليروي لي ما دار في الحوار، وكيف أن صديقه عرف طريقه، فقد أخبره أن اتصل به هاتفياً ليبدي إعجابه بما كتب، واخبره بصراحة أنه ظل ربع قرن مع عشرات المقالات ينتظر هذا الرضا، ولم يحوز عليه إلا الآن.
أما لماذا اتصل بي هذا الصديق وهو في دهشة مما سمع، فهذا أمر شرحه يطول، في قصة التهمت كل هذه المساحة، وهي ليست هي الموضوع وإنما فقط المقدمة!

الطريق لقلب السيسي

فكما كان «الطريق من هنا» في أمر صاحبنا، فقد تأكد لكثيرين أن الطريق لقلب السيسي، لا بد أن يمر من الدوحة، وليس الأمر خاصاً بقلب قائد الانقلاب وحده، ولكن الطريق إلى قلب محمد بن زايد، ومحمد بن سلمان، لا يكون أيضاً إلا بالهجوم على قطر!
من الآخر، السيسي لا يشغله أن قطر تأوي خصومه، أو أنها تملك قناة «الجزيرة»، فما يعنيه هو «الرز القطري»، وفي البداية كان يعادي قطر، لأن هذا له ثمنه عند «أبو ظبي»، لكن توقف «الرز الإماراتي»، يمكن أن يجعله مستعداً، لأن يشارك في العيد السنوي لقناة «الجزيرة»، دون أن تغير سياستها، تماماً كما فعل مبارك، الذي كان يعادي «الجزيرة» لحسابات سعودية، وفي لحظة وئام بين قطر والمملكة، زار مبارك القناة، واندهش لأن يخرج كل هذا من «علبة الكبريت» هذه، ثم سرعان ما واصل العداء لـ»الجزيرة» عندما عادت السعودية إلى موقف العداء!
كثيرون عرفوا الطريق إلى قلب السيسي، فهم يقومون وينامون على الهجوم على قطر، فلميس الحديدي تبتعد ببرنامجها على قناة «سي بي سي» عن السياسة، وتحاول أن تقلد منى الشاذلي، وعندما تعود إليها لا تكون العودة إلا بالهجوم على قطر، ثم تذهب إلى «الرغي» بعيداً عن السياسة!
الأذرع الإعلامية للسيسي لا تعرف من أين تأتي الضربة، بعد أن أحيل الكثير من إخوانهم للتقاعد، مع أنهم من مؤيدي «الرئيس الضرورة»، لذا فالشعار هو أن في البعد عن السياسة غنيمة، فحتى برنامج «عمرو أديب» على قناة «أون»، يمر على السياسية بحذر، ثم يذهب مقلداً برنامج إسعاد يونس، في الطبخ والأكل، وهما يتقاسمان في الشهية المفتوحة طول الوقت!
وعندما تتم العودة للسياسة، يكون هذا بالهجوم على قطر، فهم يعرفون الطريق الأمثل للوصول إلى قلب السيسي، وآل أديب لديهم حسابات سعودية قديمة، فيجمعون بالهجوم على قطر بين رضا السعودية، والإمارات، والسيسي! وهو ما يدركه ضيوفهم أيضاً.

قطر هي الموضوع

في فترة متقاربة استضافت لميس الحديدي، الكاتب عادل حمودة، والحقوقي حافظ أبو سعده، وكان الموضوع هو قطر!
في شبابه، كان عادل حمودة يحلم أن يكون أنيس منصور، وفي اليوم التالي يحلم أن يكون هيكل، وهما ينتميان إلى مدرستين مختلفتين، حتى في «حرفة الكتابة» الأول مفتون بالجملة القصيرة، والثاني يميل للاستطرادات. فلم يطل عنب اليمن أو بلح الشام، فانطلق في رحلته إلى «البيزنس»، لأنه لم يفك الاشتباك بين أحلامه المتداخلة، وعندما استضافته لميس كان الهدف المشترك هو الجامع بينهما، فالهدف بجانب «اللعب في ساحة الآمان»، فإن الأمر مفيد على مسار دغدغة المشاعر الجياشة للقوم في الرياض، وفي أبي ظبي، فكان الموضوع المشترك هو قطر، في لحظة ظهر فيها هيكل واختفى أنيس!
عادل قال إنه عرض عليه (8) ملايين دولار من أمير قطر رفضها، عندما ذهب ليلتقي به في قصره في الدوحة، ومطلوب منا بطبيعة الحال أن نصدق، دون أن نسأل مقابل ماذا؟.. فقد كان عادل يدير مجلة «روزاليوسف» الحكومية وليس سيد قراره، في ملف العلاقات المصرية القطرية، التي كانت تشهد خلافات حادة بين البلدين، وقد فاته أن هذا الموضوع بالذات لا يزال عالقاً في ذاكراتنا!
مع لميس تكلم عادل عن الأمير الوالد باستهانة، فقد التقاه واكتشف أنه محصلته لا شيء، ولا ندري ما هى الموضوعات الإستراتيجية التي تم التطرق إليها فوجد معلومات الرجل فيها لا شيء؟.. فهل ناقشه في كتبه التي عالجت قضايا البنات والصيف؟ والفارق الجوهري بين «بنات العجمي» و»بنات مارينا» وهما كتابين للمذكور؟!
ومع لميس قال إنه وجد في مكتب الأمير السابق صورة لجمال عبد الناصر، فأيقن أن أحلامه هى السيطرة على العالم العربي!
وهي رؤية تختلف مع ما كتبه في «روزا اليوسف»، على الأقل في الحلقة التمهيدية، وقبل تدخل السلطة، وهو ما لاحظناه في المكتوب في الحلقة الثانية.
في المنشور في «روزا» تحدث عن الأمير باحترام، وكيف أن روحه مصرية، وعندما التقاه في قصره ليجري حوارا معه رحب به، وأثبت تواضعه بأن طلب منه أن يسمع منه «آخر نكتة»، كما يفعل المصريون، وأن صورة عبد الناصر في مكتبه ترمز إلى انحيازه لهذا الزعيم العربي، وقدره عنده!
وقد وعد بنشر الحوار في العدد المقبل، لكن في هذا العدد لم ينشر الحوار، فكل ما نشر كان استمراراً لحديث الانطباعات، وفي اتجاه سلبي نسبياً، وقد ذكر أعداد المصريين في القصر الأميري، وذكر أعداد غرفه، وبمعلومات ليست سرية، لكن طرحها بهذا الشكل، أوحى بأنه قام بمهمة استخباراتية، اخترق فيها القصر الأميري، وأوحى بأن هذه المعلومات من المصريين العاملين في القصر، وعددهم كبير، بما يؤكد أن مصر اخترقت بهم القصر الأميري، ويومها سمعنا أنه تم الاستغناء عن خدماتهم، لنقف على حجم الكارثة التي لحقت بالعمالة المصرية في القصر من جراء هذا التصرف غير المسؤول من السلطة وكاتبها! كان واضحاً أنه تعرض لضغوط، بعد كلمات المديح في المقال الأول، وصدر أمر بعدم نشر الحوار، فكان المقال الثاني مضطرباً، وإن كان لم يذكر فيه أنه عرضت عليه رشوة من الأمير، وكيف تعرض عليه رشوة، ثم ينشر المقال الايجابي عن الراشي، ويوعد قراءه بنشر حواره معه في العدد المقبل، الذي لم يصدر إلى الآن؟!

أبو سعده بعد الانقلاب

بعد أيام من حلقة عادل حمودة، استضافت لميس الحديدي الحقوقي المتقاعد حافظ أبو سعده، وهو الذي بدأ حياته مناضلاً ناصرياً، قبل أن تتلقفه الأيادي الغربية، فيصبح حقوقيا وفق الأجندة الغربية، التي كان يعاديها عبد الناصر، وبعد الثورة وبعد أن أصبحت القيمة للنشطاء السياسيين عاد سياسياً ملتحقا بالسلطة بعد الانقلاب العسكري، الذي شكل مؤسساته من اليساريين، قبل أن يعيد بنائها من جديد، فأخرجهم من الحكومة، ثم أخرجهم من المجلس الأعلى للصحافة، بإلغائه، واستدعى رموز الدولة القديمة لشغل المجالس الإعلامية الثلاث، بجانب المؤسسات الإعلامية، ولم يتبق إلا المجلس القومي لحقوق الإنسان، وحافظ أبو سعده عضواً فيه، ولا يضمن الاستمرار عند إعادة التشكيل، رغم أنه استغل صفته الحقوقية في تبرير كل جرائم الانقلاب ضد الحريات في الدوائر الغربية!
فضلاً عن أن اسمه مدرج في قوائم الممنوعين من السفر، كما أنه من المدرجين في قائمة القضية المعروفة إعلامياً بـ «قضية التمويلات الأجنبية»، التي يمكن أن تفتح في أي لحظة، ولا أمان للسيسي ولو صفا، فكانت ملاغاته بما يقرب إليه زلفى، فإعلانه الاستعداد لرفع قضية أمام المحاكمة الدولية ضد قطر مطالباً إياها بعشرة ملايين دولار تعويضاً لكل شهيد من شهداء الجيش والشرطة، سقط في العمليات الإرهابية، باعتبار أن قطر ترعى الإرهاب، وهو في «ملاغاته» يدرك أن السيسي نفسه لديه استعدادا لأن يكون هو شخصياً شهيداً، إذا كان يمكن أن يحصل على تعويض قيمته عشرة ملايين دولار!
قضية خاسرة قبل أن ترفع، لكن الجميع عرفوا الطريق إلى قلب السيسي، ويجيدوا «فن ملاغاته»!

التعليقات

What's up friends, its impressive piece of writing

regarding cultureand completely defined, keep it up all the time.

Feel free to surf to my homepage - How do you get Achilles tendonitis?

Filtered HTML

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.
رمز التحقق
هذا السؤال للتآكد من انك زائر حقيقي و منع نشر السبام على الموقع
Image CAPTCHA
أدخل الحروف الظاهرة في الصورة.