انفصال كردستان: عقوبات فورية تهدّد المشروع بالخنق في مهده | الجمهور

الثلاثاء, أيلول (سبتمبر) 26, 2017 - 07:45 بتوقيت جرينتش

الجمهور - سجّل يوم أمس، 25 سبتمبر/أيلول 2017، أولى الخطوات لولادة دولة كردستان، مع إجراء سلطات الإقليم العراقي الاستفتاء على الانفصال عن العراق، على الرغم مما سبقه من تحذيرات ووعيد ومساعٍ لتأجيل هذا الاستحقاق. إلا أن هذه الولادة أتت قيصرية مع شبه إجماع دولي على رفض الخطوة، وانطلاق حرب إقليمية من دون نيران حتى الساعة لمعاقبة الإقليم على خطوته ودفعه للتراجع عنها، عبر حصاره وإغلاق منافذه وضرب أبرز أركان اقتصاده، النفط، في ظل تهديد تركي واضح بعملية عسكرية لحماية التركمان، ووقوع أول اشتباك مسلح بين مليشيا "الحشد الشعبي" و"البشمركة" في إحدى البلدات في المناطق المتنازع عليها. وفي ظل هذه الأجواء، حاول مسؤولون أكراد توجيه رسائل طمأنة لجيران الإقليم، إلا أن الإجراءات التي اتخذتها السلطات الكردية دلّت على مسارعة الخطوات لـ"الاستقلال"، خصوصاً مع تشكيل "مجلس أعلى للاستقلال" والحديث عن تشكيل لجان أخرى منبثقة عنه تعمل على وضع تصوّر لعملة البلاد الرسمية وجواز السفر والمرحلة الانتقالية.
نتائج هذا الاستفتاء في إقليم كردستان العراق والمدن التي تسيطر عليها القوات الكردية ضمن ما يُعرف بالمناطق المتنازع عليها، من بينها كركوك، جاءت كما كشفت الأرقام الأولية أمس، وفق ما يشتهي زعيم الإقليم مسعود البارزاني وباقي الأحزاب الكردية، إذ أشارت المعلومات التي حصلت عليها "العربي الجديد" من داخل مركز العد والفرز في حي نشتمان الرئيسي وسط أربيل، إلى أن نسبة المصوّتين لصالح الانفصال بلغت أكثر من 70 في المائة على الرغم من عدم فرز نتائج المراكز في أجزاء من دهوك، وحلبجة. ويُتوقع أن تعلن في وقت لاحق من مساء اليوم الثلاثاء نتائج أولية غير رسمية للاستفتاء، وتجري عمليات العد والفرز بمشاركة 400 قاضٍ وحقوقي من محاكم الإقليم وبمراقبة من منظمات محلية ووسائل إعلام، فضلاً عن منظمات أجنبية بينها واحدة إسرائيلية.

وكما كان متوقّعاً، أشارت التسريبات بحسب مصدر مطلع من داخل مفوضية الاستفتاء في أربيل، إلى أن غالبية مريحة اختارت (نعم) في التصويت أمس، وتفوقت أربيل ودهوك على السليمانية، فيما جاءت زمار وكركوك أولاً مقارنة مع باقي المدن المتنازع عليها في نينوى وصلاح الدين وديالى بفارق كبير.

حصار وتهديدات

لم تتأخر بغداد ومعها دول الجوار، في بدء خطوات عقابية ضد كردستان. فقد صوّت البرلمان العراقي أمس على حزمة إجراءات عقابية ضد الإقليم، وقرر إلزام رئيس الحكومة حيدر العبادي بإعادة انتشار القوات العسكرية العراقية في المناطق المتنازع عليها، ومنها كركوك، على ما كانت عليه قبل اجتياح تنظيم "داعش" الموصل. وتضمّنت الإجراءات "دعوة الادعاء العام لإبعاد وملاحقة جميع الموظفين والمسؤولين الحكوميين من الأكراد، الذين شاركوا ودعموا الاستفتاء، وإعادة حقول النفط في المناطق المتنازع عليها تحت إشراف وسيطرة وزارة النفط الاتحادية"، ومنع الشركات النفطية من العمل في المناطق المتنازع عليها. كما صوّت البرلمان على "مطالبة وزارة الخارجية بمفاتحة الدول لإغلاق قنصلياتها في إقليم كردستان، معتبراً الاستفتاء "غير دستوري بموجب الدستور". كذلك وقّع 78 نائباً في البرلمان على عريضة تطالب بإقالة رئيس الجمهورية فؤاد معصوم.

كما كشف مسؤول عراقي بارز في أمانة مجلس الوزراء، لـ"العربي الجديد"، أن العبادي، أجرى اتصالات جديدة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الإيراني حسن روحاني، وتم الاتفاق على جملة من الإجراءات تجاه كردستان، بما فيها منع التعامل مع الإقليم اقتصادياً وتجارياً، وتنفيذ خطة إغلاق جزئي للمنافذ يُسمح خلاله بمرور المواد الغذائية والطبية فقط. وأضاف أن وزارة الخارجية العراقية طلبت من الدول التي لها قنصليات في أربيل إغلاقها، كما سيتم إقالة الدبلوماسيين والسفراء الأكراد الذين يمثّلون العراق في الخارج وشاركوا في الاستفتاء فضلاً عن المناصب المهمة والحساسة التي يشغلها المسؤولون الأكراد في بغداد، مشدداً على أن بغداد تنتظر زيارة وفد أميركي مبعوث من الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول الأزمة لمنع تحوّلها إلى نزاع مسلح. كذلك أمر العبادي، قوات بلاده بحماية المواطنين من "التهديد والإجبار" في مناطق واقعة تحت سيطرة قوات إقليم كردستان، وفق بيان مقتضب بثه التلفزيون الرسمي. وفي السياق، دعا نائب الرئيس العراقي، نوري المالكي، حكومة بلاده وحكومات الدول الإقليمية إلى "فرض حصار شامل" على إقليم كردستان، مضيفاً خلال تجمع مناهض للاستفتاء في بغداد، أن هذه الخطوة ستكون لها "تبعات خطيرة" على مستقبل العراق بشكل عام، والإقليم بشكل خاص.

إقليمياً، كان التحرك الأبرز من تركيا، التي لوّح رئيسها رجب طيب أردوغان، بـ"إغلاق صنبور نفط الإقليم الكردي شمالي العراق"، والذي يصدّر عبر تركيا. وقال أردوغان في كلمة خلال مشاركته في مؤتمر في مدينة إسطنبول: "سنرى بعد اليوم لمن سيبيع الإقليم الكردي في العراق النفط؟ الصنبور لدينا، وعندما نغلقه ينتهي الأمر". واعتبر الاستفتاء على الانفصال غير مشروع، وفي حكم الملغي، من دون النظر إلى نتائجه. وأضاف: "هو قرار تفوح منه رائحة الانتهازية". وعن التدابير التركية المتوقع اتخاذها حيال الإقليم الكردي، أشار أردوغان إلى أنه حالياً يُسمح فقط بالعبور إلى الجانب العراقي في المعابر الحدودية بين البلدين. وأضاف: "سنفصح عن تدابير أخرى خلال الأسبوع الحالي". وفي تهديد واضح، قال أردوغان: "كما طهرنا مدن جرابلس والراعي والباب من داعش في سورية، لن نتوانى عن اتخاذ خطوات (مشابهة) في العراق أيضاً إذا لزم الأمر". كذلك أكد أردوغان، ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، خلال اتصال هاتفي جرى بينهما أمس، على وحدة الأراضي العراقية والسورية.

في السياق نفسه، أعلن وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، إن أنقرة ستقوم بعملية عسكرية على الفور، "في حال تعرض أشقاؤنا التركمان (في العراق) لاعتداء فعلي". وترافقت التحذيرات التركية مع مواصلة الجيش التركي أمس مناوراته العسكرية في قضاء سيلوبي بولاية شرناق الحدودية مع العراق، وذلك لليوم الثامن على التوالي.

أما إيران، وبعد أن أعلنت إغلاق مجالها الجوي مع إقليم كردستان ومنع مرور الطائرات الآتية من تلك المنطقة عبرها، فقد أعلن مستشار المرشد الإيراني الأعلى للشؤون العسكرية رحيم صفوي، أن الدول الأربع المحاذية للإقليم ستغلق حدودها معه، متوعداً بالمزيد من الإجراءات. ونقلت وكالة "إيسنا" الإيرانية عن صفوي قوله إن إيران قررت إغلاق مجالها الجوي لأنها ترفض هذا الاستفتاء، مضيفاً أن تركيا سترد بشكل قاطع عليه أيضاً. في سياق متصل، ذكر المسؤول السياسي في مكتب الرئاسة الإيرانية حميد أبو طالبي أن الرئيس حسن روحاني تباحث هاتفياً مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين قضايا المنطقة، قائلاً إنهما أكدا رفض تقسيم العراق.

أول نُذر المواجهات
بعد تصريحات عديدة من قيادات في مليشيات "الحشد الشعبي" توعّدت بالانتقال إلى كركوك والمدن المتنازع عليها واستعادتها ممن وصفتها بـ"العصابات التي لا ترضخ لأوامر بغداد"، في إشارة إلى قوات البشمركة، سُجّل عصر أول من أمس مواجهة مسلحة، إذ قُتل عنصر من البشمركة باشتباكات متقطعة لم تدم طويلاً مع مليشيا "العصائب" في بلدة الطوز قرب كركوك إحدى البلدات المتنازع عليها.

في مقابل ذلك، كشف ضابط رفيع في البشمركة الكردية، لـ"العربي الجديد"، أن رئيس الإقليم استدعى المزيد من قوات الاحتياط والمتقاعدين من قوات البشمركة فضلاً عن 50 في المائة من قوات الشرطة المحلية والدفاع المدني، للدفع بهم إلى مناطق متنازع عليها مع بغداد من بينها كركوك، موضحاً أن ذلك يأتي تحسباً من محاولة تطبيق بغداد قرار البرلمان باستعادة هذه المناطق والسيطرة على الحقول النفطية.

إلا أن مقرر لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي، رزاق الحيدري، قال لـ"العربي الجديد"، إن "خيار القوة لإرضاخ أربيل سيكون آخر ما يمكن التفكير به من أجل الحفاظ على وحدة وسيادة الأراضي العراقية". وأضاف: "الآن وبعد أن نفذوا الاستفتاء لتشكيل دولة، سيكون علينا أن نتخذ إجراءات كثيرة من بينها داخلية وخارجية مع دول الجوار في صياغة تعامل جديد مع الإقليم".

في غضون ذلك، بدا أن سلطات كردستان تحاول تهدئة الأجواء، إذ أعرب رئيس حكومة كردستان، نيجرفان بارزاني، عن تمنياته بألا تعتبر الدول المجاورة للعراق، خصوصاً تركيا، الاستفتاء بأنه تهديد لأمنها. جاء ذلك فيما طرح نائب الرئيس العراقي، إياد علاوي، مبادرة جديدة من نقاط عدة، تتضمن أبرزها تجميد نتائج الاستفتاء ووقف التحرك من خلاله والبدء بمفاوضات جديدة، على أن يتم الاتفاق على استبعاد أي خيار عسكري في حل الأزمة.

أما عن الخطوات التالية للاستفتاء، فقد أوضح عضو مفوضية الاستفتاء في كردستان، مصطفى محمود البرزنجي، لـ"العربي الجديد"، أن "الخطوة الثانية بعد إنجاز الاستفتاء هي مصادقتها قضائياً لتكون ورقة معتمدة سواء في التفاوض مع بغداد أو مع المحيط الإقليمي والدولي". وأضاف: "من ناحية قانونية تم استيفاء الشرط الأول واليوم العالم ملزم بتطبيق أهم ميثاق في الأمم المتحدة المقر عام 1951 وهو حق تقرير المصير للشعوب"، مضيفاً أن "مسألة تهديد كردستان لدول الجوار هي نفسها الرواية منذ قرن كامل". وكشف عن "تشكيل لجنة برئاسة هوشيار زيباري لزيارة عدد من الدول من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا فضلاً عن الأمم المتحدة لعرض وثيقة الاستفتاء ونتائجها عليهم".

من جهته، قال سعيد شقلاوي، القيادي في الحزب "الديمقراطي الكردستاني" بزعامة البارزاني، إنه "في حال رفضت بغداد فتح حوار بالمطلق معنا ورفضت نتائج الاستفتاء، فإن الإقليم لديه خطة مرسومة". وأضاف في تصريح لـ"العربي الجديد": "نتوقع ذلك جيداً ونعتبر أن انتزاع حلم الدولة وتحويله حقيقة لن يكون سهلاً وقد نضحي بالكثير لكن الأهم أننا لن نتراجع حتى تحقيقه". وتابع: "يهددونا بالقوة العسكرية وكأنها غريبة على الأكراد، فمنذ أيام حكم العثمانيين نحن نحارب".

وفي السياق، قال القيادي في "التحالف الكردستاني"، حمة أمين، لـ"العربي الجديد" إن "خطوة الاستفتاء هي الأولى وستعقبها خطوات كثيرة أكثر صعوبة"، مضيفاً: "نضع الاستفتاء بجيوبنا لنتحرك محلياً ودولياً، وسقفنا هو الدولة، ونريد أن نبلغ الجيران أننا لن نشكل خطراً عليهم ويمكن لهم أن يثقوا بذلك ولا علاقة لنا بالملفات الكردية لديهم". إلا أن حديث أمين يبدو غير مقنع، خصوصاً مع قرار تشكيل مجلس أعلى للاستقلال في كردستان والحديث عن تشكيل لجان أخرى منبثقة عنه تعمل على وضع تصور لعملة البلاد الرسمية وجواز السفر والمرحلة الانتقالية من الإقليم إلى الدولة المستقلة وحتى مناهج المدارس والجامعات.

في موازاة ذلك، قال الخبير بالشأن السياسي العراقي، أحمد كمال السعدي، لـ"العربي الجديد"، إنه يتوقع أن تكون هناك فترة تهدئة أو عدم تصعيد من قبل الإقليم بعد إنجاز الاستفتاء، مشيراً إلى أن "أربيل ستحاول الآن إقناع بغداد بالعدول عن الإجراءات العقابية الجديدة، كما ستعمل على الجلوس معها للحوار، وهو ما لن يحدث بسبب استقواء الحكومة بالموقفين الدولي والإقليمي".

Filtered HTML

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.
رمز التحقق
هذا السؤال للتآكد من انك زائر حقيقي و منع نشر السبام على الموقع
Image CAPTCHA
أدخل الحروف الظاهرة في الصورة.