في رفض تسييس جريمة الواحات الإرهابية | الجمهور

الثلاثاء, تشرين اﻷول (أكتوبر) 24, 2017 - 08:53 بتوقيت جرينتش

عمرو حمزاوي

بينما قرى ومدن مصر تشيع الشهداء إلى القبور والحزن يفترش الأرض والسماء، تأتي من هنا وهناك أصوات لا تحول الدماء المراقة أو صرخات المكلومين بينها وبين التورط غير الإنساني وغير الأخلاقي في توظيف الجريمة البشعة بغية الحصول على ما يتراءى لها مكسبا سياسيا.
في حضرة قوائم شهداء الوطن الذين خرجوا لمواجهة عصابات إرهابية تعتاش على القتل والدمار ولم يعودوا إلا في نعوش، في حضرتها يصبح واجبنا كمصريات ومصريين أن نتسامى فوق صراعات واختلافات السياسة وأن نشعر بالعرفان لمن جادوا بحياتهم وهم يواجهون خطرا حقيقيا يعصف بأمننا وأمن بلادنا.
في حضرتها، يصبح واجبنا أن نتضامن مع المؤسستين النظاميتين التي يتحمل أفرادهما العبء الأكبر للمواجهة مع الإرهاب، الشرطة والقوات المسلحة. في مواضع أخرى إما ترتبط بانتهاكات حقوقنا وحرياتنا كمواطنين أو بغياب الديمقراطية لا أصمت على الممارسات السلطوية للمؤسستين. غير أن المواجهة مع الإرهاب الذي لا يفرق حين يسقط ضحاياه بين الموالين للسلطوية وبين المدافعين عن الديمقراطية ولا يميز بين العسكريين والأمنيين وبين المدنيين، هذه المواجهة الحتمية مع من يفجرون النقاط الأمنية ويضعون القنابل داخل الكنائس ويهاجمون المصارف تلزم بحضور ظهير مجتمعي يدعم الشرطة والقوات المسلحة ويثمن تضحيات المنتمين إلى المؤسستين.
في حضرة قوائم الشهداء، يصبح واجبنا كمصريات ومصريين أن ندرك استحالة خروج البلاد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تعصف بها دون القضاء على الإرهاب وإزاحة الخطر الذي يمثله على الدولة ومؤسساتها. نختلف فيما بيننا بشأن الطريق الأمثل لتحقيق التنمية المستدامة، ومنا من يتجاهل خطر ظواهر الفقر والتضخم والاستدانة وينكر انتهاكات حقوق الإنسان ويسفه ممن يطالبون بمساءلة ومحاسبة المتورطين فيها، وبين ظهرانينا من لا يتجاهل الأولى ولا ينكر الثانية. إلا أن القاسم المشترك بيننا جميعا هو احتياجنا لدولة غير فاشلة ولمؤسسات متماسكة لكيلا تصبح اختلافاتنا صراعات أهلية وقتل على الهوية ولكيلا يزج بالمجتمع إلى أتون عنف مستعر يأكل الأخضر واليابس.
في حضرة قوائم الشهداء، يظل مكفولا حقنا كمواطنين في معرفة ما يدور على أرض البلاد ويظل ساريا إزاء الرأي العام واجب الدولة ومؤسساتها في التعامل مع جريمة إرهابية كجريمة الواحات بشفافية تسمح بتداول المعلومات دون الإضرار بالأمن القومي. تجاهل وسائل الإعلام الحكومية والخاصة لجريمة الواحات ليوم كامل، والسيطرة الأمنية على الطائفتين لا تقبل الإنكار، شكل إهدارا صريحا لحق الناس في المعرفة وسبب رواج المتضارب من المعلومات. والنقد هنا مشروع ومطلوب ولا شبهة تسييس به. أما الانتقال إلى إطلاق الاتهامات بالفشل أو التقصير أو عدم الكفاءة أو خيانة البعض باتجاه قوات الشرطة التي واجهت الإرهاب في الواحات، مثل هذا الانتقال يحيط به عن يمينه وعن شماله التورط في تسييس الجريمة من خلال التشكيك في إمكانات وقدرات الشرطة باستعلاء مقيت على الضحايا والدماء. لا نعرف كمواطنين تفاصيل ما دار في الواحات، ولا نملك من المعلومات ما يبرر إطلاق الاتهامات، وما نستطيع المطالبة به اليوم هو شفافية الدولة ومؤسساتها في التعامل مع الأمر وتمكيننا من معرفة الحقائق. حين تتوفر المعلومات والحقائق، تحضر فرص النقاش الموضوعي بشأن سبل مواجهة الإرهاب ويصير لحديث المساءلة والمحاسبة إن برزت مسبباتهما مضمونا واقعيا لا شبهة تسييس به ولا استعلاء على من يستشهدون ونحن في بيوتنا نيام.
ولن نكون في هذا بدعا بين الشعوب. تتكرر الجرائم الإرهابية في الشمال والغرب كما في الجنوب والشرق، وتسقط عصابات الاٍرهاب ضحاياها في البلدان الديمقراطية كما في الديكتاتوريات والنظم السلطوية.
وتختلف مواقف الناس دوما بين مطالب بالمزيد من الإجراءات الأمنية لمواجهة الإرهاب، وبين محذر من خطر اقتصار المواجهة على الأداة الأمنية واستبعاد الأدوات المجتمعية والسياسية الأشمل. وعادة ما يراوح المواطنون بين قبول حجب الحكومات لبعض المعلومات بشأن الجرائم الإرهابية، وبين دعوة المؤسسات الرسمية إلى الكشف عن الحقائق والتعامل بشفافية. وبينما يرى البعض تأسيسا على الاستحالة الفعلية للمنع الشامل لحدوث الجرائم الإرهابية أن أداء الدول ومؤسساتها في تعقب المجرمين وتقديمهم إلى العدالة وحماية الأمن يستحق الإشادة، ينزع البعض الآخر حين تتوفر معلومات تدلل على جوانب سلبية في أداء المؤسسات الرسمية إلى اقتراح تشكيل لجان لتقصي الحقائق هدفها وضع اليد على مواطن الخلل لحماية الأرواح والذهاب إلى إجراءات المساءلة والمحاسبة إن اقتضت ذلك المصلحة الوطنية.
وتقدم، على سبيل المثال، لجنة تقصي الحقائق التي شكلها الكونغرس الأمريكي في أعقاب جريمة الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية في 2001 والتي أصدرت تقريرها النهائي منذ سنوات قليلة نموذجا واضحا على التعامل المسؤول مع تحديات وتداعيات الإرهاب ومع أوجه القصور ومواطن الخلل التي يظهرها في أداء المؤسسات الرسمية (بل والمؤسسات الخاصة كالمصارف وشركات الطيران التجاري وغيرها).
أما ما وقع في مصر ومن حولها خلال الأيام الماضية من تعجل في إطلاق الاتهامات بالفشل والتقصير ومن تورط في الرقص على أجساد ودماء الضحايا ومصاب ذويهم وحزن الناس جميعا بالترويج لادعاءات عدم كفاءة الشرطة في مواجهتها للإرهاب دون معلومات وحقائق، فليس به سوى الأشد رداءة من صنوف تسييس الأحداث الجسيمة التي يتعرض لها الوطن لحسابات متهافتة.
ليس بتسييس جريمة الواحات سوى اغتيال جديد للضحايا الذين اغتالهم الإرهاب، واغتيال لإنسانيتنا كمصريات ومصريين تتباين مواقفنا إزاء الحكم الراهن في البلاد يظل واجبنا هو الترحم والرثاء والتضامن والمطالبة بمعرفة حقيقة ما دار دون تشكيك.

التعليقات

I'm really impressed with your writing skills as well as with the format for
your blog. Is this a paid theme or did you customize it yourself?

Anyway stay up the nice high quality writing, it's rare to look a nice
blog like this one today..

Also visit my web-site - Lelio Vieira Carneiro Junior

I have read several excellent stuff here. Definitely worth bookmarking for revisiting.
I wonder how much attempt you put to create the sort of great informative website.

Here is my homepage Grupo Serval presidios

I know this if off topic but I'm looking into starting my own blog and was curious
what all is needed to get set up? I'm assuming having a blog like
yours would cost a pretty penny? I'm not very web savvy so I'm not 100%
positive. Any recommendations or advice would be greatly appreciated.
Many thanks

Look at my page Itamar Serpa Fernandes

I have been browsing online more than 3 hours as
of late, but I never discovered any interesting article like yours.

It's beautiful price sufficient for me. In my opinion,
if all webmasters and bloggers made just right content as
you did, the net will be much more helpful than ever before.

Feel free to surf to my web site ... Lelio Vieira Carneiro

If you would like to get a great deal from this post then you have to apply such techniques to your won blog.

Also visit my blog post ... Luiz Gastão Bittencourt

Are you feeling people are often more secure in your residence?

My page; home security camera systems diy

Hello There. I found your blog the usage of msn. That is an extremely smartly written article.
I'll make sure to bookmark it and come back to read more of
your useful info. Thanks for the post. I will definitely comeback.

Also visit my web blog ... hi; http://153.120.114.241/eso/index.php/4874543-low-price-summer-seasons-fashion-repairs,

Filtered HTML

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.
رمز التحقق
هذا السؤال للتآكد من انك زائر حقيقي و منع نشر السبام على الموقع
Image CAPTCHA
أدخل الحروف الظاهرة في الصورة.