بطحة السيسي وعقدة الشباب | الجمهور

الأربعاء, تشرين الثاني (نوفمبر) 8, 2017 - 06:47 بتوقيت جرينتش

سيف الدين عبد الفتاح

في الأمثال الشعبية المصرية، هناك مثل دال يدور على ألسنة المصريين يصير في مضمونه "إللي على راسه بطحة يحسس عليها". والمعنى الذي يدل عليه المثل إنما يؤكد أن صاحب المسألة غالبا ما يحس أنه متهم، ودائما ما يتحسس نفسه ويفضح كل ما يتعلق بشأنه من خلال اعترافه بجرمه، بشكل غير مباشر وبإشارات من طرف خفي. ولا شك أن نظام السيسي المنقلب؛ يعاني من مجموعة "عقد نفسية" ستظل ترتبط به مهما حاول أن ينفي ذلك الاتهام عنه؛ أو محاولة التملص منه أو الالتفاف عليه.

ومن أهم العقد التي ترتبط بالنظام الانقلابي للسيسي؛ هي مسألة الشرعية التي نتجت عن حالة الغدر الانقلابي الذي قام به ليقطع الطريق على مسار ديموقراطي، ويحاول أن يلتمس المعاذير لذلك. فتارة يتحدث ويحاول أن يصور حدث الانقلاب بأنه لم يكن إلا الاستجابة لثورة زائفة في الثلاثين من حزيران/ يونيو سبقته، وكان هذا الإعلان العسكري بالانقلاب ليس إلا تكميلا لثورة شعبية، كما أراد أن يصور. وفي حقيقة الأمر، فإن هذا الزيف والتزييف والكذب والتزوير صار عملة هذا النظام؛ حينما يجعل من ذلك غطاء لانقلاب عسكري واضح وفاضح، انقلاب مكتمل الأركان، كما تؤكده كتابات علم السياسة المحترمة والمعتبرة. يعرف ذلك القاصي والداني، على الرغم من محاولة البعض تبرير أوصاف معينة تحاشيا لأن يصف ذلك الحدث بالانقلاب، هؤلاء الذين احترفوا بناء العلوم السيسية طلبا لرضا سلطانهم وتبريرا لغدره وانقلابه.

هذه العقدة تؤكد فقدان نظامه لأي سند من الشرعية، مهما حاول إضفاء هذه الشرعية بأشكال مختلفة. لكن في حقيقة الأمر، بطحة الشرعية تلك تؤكد أن هذا النظام في كل محاولاته لشرعنة نظامه في الداخل والخارج؛ لا يملك بأي حال أي سند من شرعية حقيقية؛ لأنه في حقيقة الأمر قاطع الطريق على أصل الشرعية، وحينما تكون بطحة الشرعية واضحة من غير التباس، فإنه يلتمس الشرعية تارة لدى دول الغرب بمسالك شتى، ويحاول الانسجام مع دول الإقليم في إطار صفقات متبادلة، ويتوج ذلك بالدخول إلى الشرعنة من البوابة الاسرائيلية، بضمان أمن اسرائيل والتطبيع معها، بل وعقد صفقات لمصلحتها، حتى أن الكيان الرسمي الصهيوني وإعلامه صارا يتحدثان عن المنقلب السيسي كـ"معجزة إلهية من الله، بانقلابه في مصر، وضمن حالة من تحول الأمر من مبارك المخلوع، الكنز الاستراتيجي، إلى حالة السيسي، المتبني للأمن الإسرائيلي؛ كجزء هيكلي وبنيوي من الأمن القومي المصري، في ظل سياسة الانبطاح الاستراتيجي.

وبطحة الشرعية لا تضاهيها إلا بطحة الشباب والعقدة التي يمثلها لهذا النظام الانقلابي، وعلى رأسه السيسي المنقلب الغادر. ذلك أن الشباب كان في حقيقة الأمر هو لحمة الثورة في الخامس والعشرين من يناير، وحامل مشعلها - شاء من شاء وأبى من أبى - من دون أن يعني ذلك استبعاد جهود من معظم أبناء الوطن ومطلقي هذه الثورة، والتي كانت فعلا إيجابيا بفضل تفكير شباب ناهض خارج الصندوق، فاستطاع أن يسقط رأس نظام تخيل البعض - مع طول مدته - أنه لا يزول ولا يتزلزل.. الشباب هو الذي يحمل شعلة ثورة يناير، وحلم دولة يناير، بما يؤكد من فعل يستند إلى شعار ذهبي يشير إلى ذلك المربع الذي يؤسس لاستراتيجية ثورية تقوم على أهداف ومسالك أربعة: عيش كريم، وكرامة إنسانية، وحرية أساسية تأسيسية، وعدالة اجتماعية.. لتؤكد أولويات ثورة ومطالب شعب حقيقة، وتؤكد حلم دولة يناير في مصر الجديدة.. مصر الأمل.

أؤكد أن السيسي المنقلب وصحبه لا يزالون يشعرون ببطحة وعقدة من هذا الشباب الناهض؛ لأنه لا يذكّر هؤلاء، وحسب، بثورة مجيدة بتاريخ مصر المعاصر، ولكنه يؤكد أيضا أن الفعل الثوري وارد وممكن الإنجاز. هكذا كان درس التاريخ، ولا يزال الشباب صاحب المصلحة في بناء المستقبل هو من يحمل زخم تلك الثورة وجذوتها في قلبه وعقله.. لا زال هذا الشباب يطالب ببلد جديد.. مصر المستقبل التي تؤسس لدولة الناس، وتقضي على دولة السيسي التي يريد لها أن تبقى وتستمر ضمن صناعة جمهورية الخوف؛ باستخدام استراتيجيات الترويع والتفزيع واستراتيجيات الإفقار والتجويع.

يظل الشباب هو حائط الصد الأساسي، وصانع الأمل وحامله.. يؤكد على أنه لا يستطيع أن يفرط في ثورة يناير وأهدافها وشعارها، كأنها فيها حياته الكريمة ومستقبل مصر الأفضل. كل ذلك يعلمه السيسي بوضوح كامل حينما وجه له الشباب لطمات في انتخاباته واستفتاءات؛ قام بها وعليها يحاول شرعنة نظامه من كل طريق، إلا أن رد الشباب بالمقاطعة كان رادعا مفزعا مزلزلا لمنظومة انقلاب السيسي، ليؤكد له استحالة شرعنة النظام الفاسد الفاشي الذي يقوده ملتمسا ذلك من الخارج؛ وزيّف كل فعل يتعلق بتلك الشرعنة لإضفاء حق على باطل. قدم الشباب للسيسي لطمة بعد لطمة، وترك على جبينه بطحة بعد بطحة، ومثل عقدة لا تنفك في مسار هذا الانقلاب، ليؤكد أنه وفيّ لثورة يناير، وأنه لن يفرط فيها حتى ينجز دولة يناير.

أقول ذلك مؤكدا بأن هذا ليس بالكلام الإنشائي أو فائض الكلام، ولكنه حقيقة المشهد الذي صار السيسي، مع إحساسه بهذه البطحة وتمكن عقدة الشباب من وجدانه، يحاول وصلا بشباب؛ ضمن عملية تزييف واحتيال ونصب كبرى.. يحاول أن يوحي للآخرين بأنه مع الشباب ومع أشواقهم. أي أشواق يتحدث عنها السيسي، وهو إذ يعقد عاما أسماه عام الشباب؛ وإذا به يكمم الأفواه ويطوق أي احتجاج ويمنع كلمة "لا"، بل ويجرمها، ويقتل من يتلفظ بها ويصفيه جسديا، ويطارد كل من أسهم بأي سهم في ثورة يناير من شباب مصر؛ يتلذذ بوضعهم وراء القضبان في محاولة منه لفرض استقرار زائف ضمن اعتبارات الدولة البوليسية ودولة العسكر الفاشية؟ وهو كذلك يختطف كل شاب أو شابة يمثل أو تمثل احتمالا في معارضة أو احتجاج، أو تعبير عن رأي. فهو لا يحتمل كل ذلك، ولا يستنكف أن يقتل ويطارد وينفي ويعتقل.. يفعل كل ذلك ويتحدث عن الشباب والحاجة إلى الكلام! أي كلام أيها الفاشي الذي كمم الأفواه ومنع الكلام، وأقام السجون في كل مكان، وقتل وروّع.. ثم يتحدث: نحتاج إلى الكلام WE NEED TO TALK؟

ظل يمارس إفكه الذي عرف به، حينما دبج مجموعة الشباب الذين نظموا حركة اسمها "تمرد"؛ اصطنعها على عينه حينما كان رئيسا للمخابرات الحربية، وظل يمارس مسيرته في مؤتمرات للشباب الواحد تلو الآخر.. يأتي بالطامحين والمنافقين والمطبلين ليصنع مهرجانات شبابية ديكورية مصطنعة زائفة، وها هو الآن يعقد مهرجانا أخيرا أضاف إليه صفة "الدولي"، في محاولة لإقناع العالم الغربي بأنه من يقدر الشباب. ولكن بطحته وعقدته تطارده، كما تطارده غدرته. شباب مصر الأحرار والثوار يقضّون مضاجعه، ويؤرقون صناعة زيفه وإفكه، ومؤتمرات شبابه المصنوعة المزيفة، حتى لو سماها دولية وأتى بشخصيات عالمية.. لم تغن كل تلك الأمور عنه شيئا، ولن تصرف الشباب عن المطالبة بأملهم، والعمل لمستقبلهم، والحفاظ على ثورتهم. فليعلم المنقلب أن في ذلك الشباب الحر أزمته، وأن شباب مصر الأحرار هم في حقيقة الأمر بطحته، وأنهم سيظلون دوما عقدته.

التعليقات

I know this if off topic but I'm looking
into starting my own weblog and was wondering what all is needed to get set up?
I'm assuming having a blog like yours would cost a pretty penny?
I'm not very internet savvy so I'm not 100% sure. Any suggestions or advice would be greatly appreciated.
Thanks

my page; Lelio Vieira Carneiro Junior

Hi, all is going perfectly here and ofcourse every one is sharing facts,
that's in fact fine, keep up writing.

Feel free to surf to my web-site ... Dadado Veig

Could you be focused on you and your family?

my web blog - home security systems walmart

There is definately a lot to find out about this issue.

I like all of the points you made.

Here is my web blog - Itamar Serpa Fernandes

It's truly a nice and helpful piece of information. I'm
satisfied that you simply shared this useful info with us.
Please stay us up to date like this. Thank you for sharing.

my web blog: Luiz Fernando Monteiro Bittencourt

Howdy! I know this is somewhat off topic but I was wondering if you knew where
I could locate a captcha plugin for my comment form?
I'm using the same blog platform as yours and I'm having problems finding one?

Thanks a lot!

Feel free to surf to my web page; José Wilame Araújo Rodrigues

Items thinking about your family?

Feel free to surf to my site ... home security cameras for sale

Filtered HTML

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.
رمز التحقق
هذا السؤال للتآكد من انك زائر حقيقي و منع نشر السبام على الموقع
Image CAPTCHA
أدخل الحروف الظاهرة في الصورة.