مذبحة مسجد الروضة… في رفض تفلت خطاب المعارضين | الجمهور

الثلاثاء, تشرين الثاني (نوفمبر) 28, 2017 - 08:41 بتوقيت جرينتش

عمرو حمزاوي

تسقط عصابات الإرهاب أكثر من 300 ضحية في سيناء، أطفال ورجال قتلوا أثناء الصلاة. يصاب المئات، تغطي الدماء جدران مسجد الروضة. يتلقى الناس أنباء المذبحة، ويلقي مزيج من الصدمة والحزن والذهول بجدائله الخانقة على أسماعهم وأبصارهم. ومن وسط كل هذا الجحيم، تخرج أصوات ناعقة تدعي زيفا الحكمة والمعرفة وتأتي بحديث متفلت من كل ضمير وعقل يحمل الحكم في مصر مسؤولية المذبحة.
أقف من الحكم موقف المعارضة منذ تم تعطيل التحول الديمقراطي في 3 تموز / يوليو 2013، وعزل رئيس الجمهورية المنتخب دون إجراء ديمقراطي وسلبت حريته. أقف من الحكم موقف المعارضة منذ تورطت الأجهزة الرسمية في انتهاكات بشعة لحقوق الإنسان، وارتكبت في رابعة العدوية مذبحة مفزعة راح ضحيتها ما يقرب من ألف مصرية ومصري، مذبحة لن تسقط المسؤولية الجنائية والسياسية عنها أبدا بالتقادم. أقف منه موقف المعارضة منذ صيف 2013، وحذرت قبل ذلك الصيف المشؤوم كثيرا من خطر الانقلاب على التحول الديمقراطي باستدعاء الجيش للتدخل في قضايا الحكم والسياسة، ومن خطر عزل رئيس منتخب دون إجراء ديمقراطي ما (فإما انتخابات مبكرة وإما استفتاء شعبي). نعم كنت من بين أعضاء «جبهة الإنقاذ الوطني» التي حذرت من اقتراب البلاد من نقطة «اللامحكومية» وطالبت بالتغيير. كنت في جبهة الإنقاذ، غير أنني اختلفت مع الآخرين داخلها بشأن نهج التغيير الذي أرادوا تحقيقه عبر تحالف مع الجيش والأجهزة الأمنية ومن خلال العصف بالإجراءات الديمقراطية وتمسكت أنا بنهج التغيير السلمي وبناء إرادة شعبية تسمح بتفعيل إجراء كالانتخابات الرئاسية المبكرة دون تدخل للدبابات أو الأسلحة الآلية. وعلى عشاق المزايدة، إن ذلك النفر من الكتاب والأكاديميين المصريين الذين وردوا نهر معارضة حكم ما بعد تموز / يوليو 2013 بالأمس القريب أو صنوف المتنمرين على شبكات التواصل الاجتماعي من المعلقين المصريين والعرب، العودة إلى كتاباتي بين 2012 و2013 (نشرت في جريدتي الشروق والوطن المصريتين) للتثبت من تهافت مزايداتهم.
أعارض الحكم منذ شرع في توظيف أدوات القمع لإخضاع المواطن والسيطرة على المجتمع وإغلاق الفضاء العام، منذ زج خلف أسوار السجون وأماكن الاحتجاز بالآلاف واستخدم آلته الأمنية لفرض الاختفاء القسري على المئات. أعارضه منذ تواترت شهادات ضحايا عن جرائم التعذيب وصنوف المعاملة غير الإنسانية وراء الأسوار، منذ سفهت المؤسسة البرلمانية ومررت مئات القوانين التي تؤسس لسلطوية جديدة تنزع عن المواطن الحق في الاختيار الحر وعن المجتمع الحق في الاختلاف السلمي وتعددية الرأي وعن مؤسسات الدولة والسلطات العامة الحق في اكتساب ثقة الناس من خلال العدل والنزاهة والشفافية. أعارضه أيضا لأن الآلة الأمنية وانتهاكات حقوق الإنسان المتراكمة تهدد السلم الأهلي، وتصطنع بيئة مجتمعية قابلة لانتشار الأفكار المتطرفة والعنيفة، بل وتنهك المؤسسات والأجهزة الرسمية في مواجهات عبثية وظالمة مع مواطنات ومواطنين مسالمين (عمال وطلاب وشباب وفاعلون في النقابات ومنظمات المجتمع المدني) لا يريدون سوى التعبير الحر عن الرأي واستعادة مسار التحول الديمقراطي.
غير أن وقوفي من الحكم في مصر موقف المعارضة لا يعني لا استساغة مخالفة الضمير والعقل لتسجيل بعض المكاسب الإعلامية والسياسية الرخيصة، ولا إطلاق الاتهامات الجزافية بشأن مسؤولية الحكام عن جرائم عصابات الإرهاب، ولا الترويج للادعاء الزائف بكون القبضة الأمنية والمظالم المتكررة والانتهاكات المتراكمة لحقوق الإنسان هي التي رتبت بمفردها حضور الإرهاب في سيناء وفي الصحراء الغربية وسببت وحدها إن الاعتداءات البشعة على المساجد ومن قبلها الكنائس أو الهجمات المتواترة على قوات الجيش والشرطة. فمن جهة أولى، ليست القبضة الأمنية الراهنة والتي بدأت منذ صيف 2013 وأنتجت من المظالم والانتهاكات ما لم تشهده بلادنا من قبل، ليست هي التي فرضت «تنظيم الدولة» (داعش) وأخواتها من عصابات الإرهاب على المشهد المصري. بل الثابت أن اهتزاز أداء مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية بين 2011 و2013 بفعل وضعية عدم الاستقرار التي صاحبت التقلبات السياسية والإجراءات الديمقراطية في أعقاب ثورة يناير/كانون الثاني 2011 هو الذي مكن «داعش» وأخواتها من التواجد على الأرض المصرية واكتساب قدرات تسليحية ومالية وتنظيمية غير مسبوقة. وعلى خلاف ادعاءات بعض أبواق السلطوية الجديدة، لم يكن وراء اهتزاز أداء مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية مؤامرة ما، بل كان ذلك نتيجة طبيعية للتغيرات المتلاحقة التي أطلقتها ثورة يناير/كانون الثاني وللصراع الذي استدعته بين الحركات الشبابية والاجتماعية المطالبة بالتحول الديمقراطي وبين القوى الراغبة في أن تحتوي المطلبية الديمقراطية وفي أن ترث نظام الرئيس الأسبق مبارك بتجديد دماء السلطوية وتغيير وجوهها. ذلك الصراع الذي استعر في الفترة من 2011 إلى 2013 وحسم في صيف 2013 لمصلحة قوى السلطوية، هو الذي سبب اهتزاز أداء المؤسسات والأجهزة الرسمية واصطنع للإرهابيين بيئة البدايات في سيناء والصحراء الغربية ومناطق أخرى.
من جهة ثانية، يجافي الضمير والعقل فك الارتباط بين تواجد المجرمين الذين ارتكبوا مذبحة مسجد الروضة ومن قبلها جرائم القتل الجماعي في الكنائس والاعتداءات على قوات الجيش والشرطة على الأرض المصرية وبين الأوضاع الإقليمية المحيطة ببلادنا شرقا وغربا. مع كامل رفضي لمقولات التخويف التي يوظفها الخطاب الرسمي للحكم بالإحالة إلى أحوال بلدان عربية كالعراق وسوريا وليبيا (مقولات من شاكلة «لنحمد الله على إننا لسنا كهذه البلدان ولنطع الحاكم وننسى حقوقنا وحرياتنا كي لا تسقط الدولة وينهار المجتمع»)، إلا أن شيئا من الحقيقة يكمن وراء تلك المقولات. غير قابل للإنكار ذلك الارتباط بين الاقتتال الأهلي المستمر في العراق وانقلاب الأوضاع في سوريا من حراك ديمقراطي إلى انهيار للدولة الوطنية وحرب أهلية بين ديكتاتور وقوى إرهاب وعنف وتطرف في سوريا وانهيار الدولة الوطنية وحروب الكل ضد الكل المنتشرة شرقا وغربا في ليبيا، وبين تواجد عصابات الإرهاب في مصر واتساع نطاق فعلها واكتسابها قدرات تسليحية ومالية وتنظيمية غير مسبوقة. غير قابل للإنكار أيضا أن عصابات الإرهاب تتحرك عبر حدود بلدان المشرق العربي (العراق وسوريا ولبنان) وفي شمال افريقيا (مصر وليبيا وتونس) مستغلة هنا انهيار الدول الوطنية وهناك اهتزاز أداء المؤسسات والأجهزة الرسمية، وهنا وهناك لغياب السلم الأهلي، تتحرك لترتكب مذابحها وجرائمها مدفوعة بعطش مريض للدماء والدمار والخراب وموقنة بكونها لا عيش لها سوى في بيئات إقليمية كتلك البيئة المحيطة بمصر إلى الشرق والغرب.
من جهة ثالثة، تصطنع القبضة الأمنية للحكم في مصر وما ينتج عنها من مظالم وانتهاكات لحقوق الإنسان بيئات مجتمعية محبطة وغير متوازنة وقابلة لانتشار التطرف والعنف، مثلما يرتب تعطل جهود التنمية المستدامة في سيناء والصحراء الغربية ومناطق أخرى شيوع فقدان الثقة في السياسات الرسمية وغياب الرضا الشعبي عن المؤسسات والأجهزة الرسمية. وبالقطع، تعتاش عصابات الإرهاب كـ «داعش» وأخواتها جزئيا على مشاعر الظلم والإحباط وفقدان الثقة هذه وتدفع طاقة الرفض وعدم الرضا بين بعض الفئات الشعبية باتجاه تبرير التطرف والعنف وباتجاه التورط في جرائم إرهابية ضد المواطن والمجتمع والدولة. غير أن عصابات الإرهاب لا تضبط بوصلة فعلها على مؤشرات الاعتياش على البيئات المحلية المحبطة، بل وتعمل فيها القتل دون هوادة لكي تصل إلى غاياتها النهائية، الدماء والدمار والخراب. مجرمو «داعش» وأخواتها لا تعنيهم المظالم التي تنتجها القبضة الأمنية للحكم في مصر، ولم يعرف عنهم اهتمام بمقتضيات العدل أو بحقوق للإنسان بل ينتهكونها بوحشية ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. وهم يستبيحون دماء وأرواح العسكريين والأمنيين والقضاة، شأنهم شأن المواطنين المتجمعين في الكنائس والمساجد من نساء وأطفال ورجال. ليس تواجد عصابات الإرهاب على الأرض المصرية نتيجة مباشرة للقبضة الأمنية وانتهاكات حقوق الإنسان. قد يعتاش المجرمون على الأمرين جزئيا، غير أنهم يحضرون ويرتكبون جرائمهم بعيدا عنهما. هؤلاء المجرمون، هؤلاء المتعطشون للدماء وللدمار، لا يختفون ولا تتوقف جرائمهم حين تحضر دولة القانون وتخضع الأجهزة الأمنية للرقابة الديمقراطية وتتراجع انتهاكات الحقوق. أرفض القبضة الأمنية والمظالم والانتهاكات في بلادي وأطالب بإيقافها صونا لكرامة الإنسان وحماية للسلم الأهلي، وأرفض أيضا خلط الأوراق بادعاء حضور علاقة سببية مباشرة ووحيدة بين القبضة الأمنية وبين عصابات الإرهاب التي تصعب جرائمها كثيرا من النضال السلمي لبناء دولة القانون ولاستعادة مسار التحول الديمقراطي ولإنهاء الانتهاكات في مصر.
من جهة رابعة، ليس لمصر مجتمع قبل الدولة من سبيل لمواجهة عصابات الإرهاب سوى بالمطالبة بتطبيق مزيج من الأدوات والإجراءات والسياسات الأمنية الملتزمة بحكم القانون ودعمها بأدوات وإجراءات وسياسات تنموية شاملة. بمفردها، لن توقف جهود التنمية في سيناء والصحراء الغربية والمناطق المأزومة الأخرى الإرهاب مثلما لن ينهيه رفع الظلم وإيقاف انتهاكات حقوق الإنسان وإطلاق سراح جميع المسلوبة حريتهم لأسباب سياسية. بل تحتاج مصر دون مواربة لمواجهة عسكرية وأمنية فعالة لعصابات الإرهاب، مواجهة تجفف منابعهم البشرية والتسليحية والمالية والتنظيمية، مواجهة يحصنها مجتمعيا ويرفع من منسوب فعاليتها الشروع في جهود التنمية ورفع الظلم وإيقاف الانتهاكات، مواجهة يسرع من وتائرها التزام المؤسسات والأجهزة الرسمية بحكم القانون وإبعاد السلطوية الجديدة لها عن التورط في الإنهاك الذي تسببه الحروب المستمرة على أصوات الحرية والديمقراطية.
بلادنا تواجه عصابات إرهابية غايتها الدماء والدمار والخراب، فدعونا كمعارضة ديمقراطية نبتعد عن تسجيل المكاسب الإعلامية والسياسية الرخيصة، ونلزم جانب الضمير والعقل بالامتناع عن تحميل الحكم الذي نختلف معه ونرفض مظالمه وانتهاكاته مسؤولية الإرهاب. دعونا نطالبه بمواجهة فعالة ضد عصابات الإرهاب مكوناتها الأمن والتنمية وهدفها حماية المواطن والمجتمع والدولة، ونخاطبه أن دولة القانون ورفع الظلم وإيقاف الانتهاكات سيحصن الحرب على الإرهاب من إخفاقات غير ضرورية ويزيد من فعاليتها.

Filtered HTML

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.
رمز التحقق
هذا السؤال للتآكد من انك زائر حقيقي و منع نشر السبام على الموقع
Image CAPTCHA
أدخل الحروف الظاهرة في الصورة.