هل نحن جادون في محاربة الإرهاب؟! | الجمهور

الثلاثاء, تشرين الثاني (نوفمبر) 28, 2017 - 08:30 بتوقيت جرينتش

جمال سلطان

صبيحة يوم المجزرة الإرهابية التي ارتكبت في مسجد الروضة ببئر العبد، والتي أثارت غضبا شعبيا واسعا، وبدا أنها حالة اصطفاف وطني حقيقية تتشكل في مواجهة الإرهاب الأسود، وبينما الناس مشغولة بالجريمة، وكيف نواجه الإرهاب الدموي، وكيف يشكل الجميع كتلة وطنية واحدة في مواجهة الإرهاب، دعما للشرطة والقوات المسلحة التي تخوض المواجهة في الصفوف الأولى، إذ بوكالات الأخبار تنقل لنا نبأ قيام قوات الأمن بالقبض على خمسة شبان في مدينة قنا، بتهمة الانضمام إلى ائتلاف شباب 6 أبريل، وهو تيار شبابي مدني سلمي شارك في ثورة يناير، وكان يحتفي به وقتها "اللواء" عبد الفتاح السيسي مدير المخابرات الحربية وعضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

وفي اليوم التالي للجريمة الإرهابية أيضا قامت جهة سيادية رفيعة بحجب موقع صحيفة المصريون الإخباري على شبكة الإنترنت داخل مصر وهو الموقع الذي حفل قبلها بساعات بعشرات الأخبار والمقالات التي تدعو للاصطفاف وتندد بالجريمة وتطرح أفكارا لمواجهة الإرهاب الأسود، الواقعتان أذكرهما كنموذج على الضلال السياسي الذي يربك الوطن، ويعطي الانطباع عن أن الأولويات السياسية معكوسة عند صاحب القرار، وأن هناك من يفكر في أن الخطر الأهم والذي يستوجب المواجهة والكسر وتوظيف الدولة وأدواتها وأجهزتها لمواجهته هو المعارضة السياسية ومنظمات المجتمع المدني والصحف والمواقع التي تجرؤ على نقد الرئيس أو الحكومة بشكل جاد وحقيقي وغير مجامل، فهؤلاء عند بعض أصحاب القرار أخطر من حاملي السلاح وقتلة المصلين في المساجد!

أشرت أمس إلى ما يجمع عليه خبراء مكافحة الإرهاب في العالم كله، من أن أحد أهم خطوات كسب المعركة ضد الإرهاب هي نجاحك في تدعيم حاضنتك الشعبية، وفي الوقت نفسه حرمان الإرهابيين من اكتساب أي حواضن شعبية، وأن الحاضنة الشعبية للنظام تستدعي ذكاء سياسيا وحكمة واستيعابا للاختلاف والمعارضة وإظهار قدرة عالية على احترام حقوق الإنسان وكرامة المواطن والحرص على رفع سقف الحوار والنقاش ومساحات إبداء الرأي في الإعلام وفي البرلمان وفي النشاط الحزبي وحركة المجتمع المدني.

فكل ذلك يصنع حركة فوارة في المجتمع بالصحة النفسية والمعنوية والرضا والثقة بالقيادة، ويصعب على الإرهابيين اختراقها، هذه بديهيات سياسية، أما أن تكون أولوياتك بعد تلك المذبحة أن تغلق موقعا إخباريا لأن به مقالا لم يعجبك أو وجهة نظر لا تتفق مع وجهة نظرك أو لأنه طالب بتصحيح مسارات أو تقديم نصح أمين وصريح، فهذا يعطينا دلالة واضحة على غياب أوليات الحكمة السياسية عن أصحاب القرار، أو أن لديهم حسابات أخرى لا نعرفها غير تلك الحسابات التي يجمع عليها أبناء الوطن كله الآن في أولوية مواجهة الإرهاب.

وكذلك أن تأتي صبيحة يوم الجريمة لكي تشن غارة أمنية على شباب مسالمين لهم نشاط سياسي أو إعلامي سلمي ومدني ولا صلة لهم بالإرهاب من قريب أو بعيد، بتهمة أنهم ينضمون لحركة شباب 6 أبريل، التي كان يتباهى السيسي نفسه بالتقاط الصور مع قياداتها ورموزها الشبابية قبل عدة سنوات، فهذا أمر خارج حدود تصور العقل، حتى لو كان انضمامهم لتك الحركة صحيحا، وهو ما نفاه كل من يعرفهم، هل هذه أولوياتك في مواجهة الإرهاب، يضرب المجرمون القتلة في مسجد الروضة ببئر العبد، فترد عليهم باعتقال شباب 6 أبريل في قنا؟ هل هذا معقول؟ هل هذا منطق سياسي لأي قيادة تفكر جديا في تعزيز الصف الوطني لمواجهة الإرهاب؟

المعركة مع الإرهاب ليست معركة أمنية أو عسكرية مجردة، هذا وجه من وجوهها، ولكنها معركة سياسية شاملة، ولا يمكن أن تنجح فيها إلا بعقلية سياسية ناضجة وشاملة، وبرؤية سياسية ناضجة وشاملة، وبقيادة سياسية حكيمة وخبيرة، تملك رؤية متكاملة لأبعاد التحدي وتعقيداته، وتملك الجرأة على المراجعة والشجاعة في تصويب أي خطأ ولا تعاند فيه، وتملك القدرة على استيعاب مجتمعها بكل تياراته وتعزيز الاصطفاف الوطني، وتملك الثقة في شرعيتها وقدرتها على التعامل مع مناخ سياسي حر ومنفتح وفوار بالحيوية، مدركة أن تلك الحيوية تصب في النهاية لصالح إنجاح معركتها ومعركة الوطن المصيرية لدحر الإرهاب.

Filtered HTML

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.
رمز التحقق
هذا السؤال للتآكد من انك زائر حقيقي و منع نشر السبام على الموقع
Image CAPTCHA
أدخل الحروف الظاهرة في الصورة.