أن تكون مذيعاً في زمن «البيادة»! | الجمهور

السبت, كانون اﻷول (ديسمبر) 9, 2017 - 10:46 بتوقيت جرينتش

سليم عزوز

وكأنني بحاجة إلى مزيد من الحجب، فلم يكفهم أن كل الصحف والمواقع التي أكتب فيها محجوبة في عدد من الدول العربية الشامخة، فقد حجبنا «مارك ابن أبيه»، من التواصل عبر «الفيسبوك» ثلاثة أيام اضافية، بعد أن حجبني ليوم بعد نشري للفيديو الخاص بواقعة اغتيال الرئيس اليمني المخلوع، واعتبرها مخالفة للقيم والمعايير المعمول بها في «الفيسبوك»، ولأنه بدا لي أن «ابن أبيه» يتربص بي، دون معرفة سابقة، ولأن الفيديو بثته قناة «الجزيرة» وأحسب أنها تلتزم بالقيم والمعايير الصحافية، فقد قمت بتقديم عشرات البلاغات في صفحات أخرى تنشر الفيديو نفسه، على أساس أنه مخالف للمعايير، فجاء الرد بعد أيام بأنه ليس مخالفاً لأي معايير، وقد شكرت «مارك» في سري، عندما أخبرني بأنه حجب اسمي، ولم يعلنه، لأن من بين من قدمت فيهم «البلاغات التجربة» من الأصدقاء!
الحجب لمدة ثلاثة أيام، كان بعد نشري خبراً منسوباً لشبكات التلفزيون الإسرائيلية، ونقلاً عن «صالح النعامي»، مرجعيتنا العظمى في مثل هذه الأخبار، يفيد أن قائد الاستخبارات الفلسطينية أكد لنظيره الإسرائيلي أن «التعاون المشترك» سيظل مستمراً بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس إقراراً منه بأنها عاصمة إسرائيل، وأكد المسؤول الاستخباراتي الفلسطيني «طيب الله ثراه» أنه سيعمل على حصار ردة الفعل على القرار الأمريكي. وهو موقف يدعو للشفقة، وليس للغضب، من هذا الأداء البائس للسلطة الفلسطينية، حيث لا يوجد أكثر بأساً منه سوى موقف عبد الفتاح السيسي، الذي يمنع التظاهر احتجاجاً على القرار الأمريكي بقوة السلاح!

السيسي ومنع المظاهرات

مثلي يتفهم منع السيسي للتظاهر، فهو لا يضمن إذا خرجت الجماهير، ألا تتحول مظاهراتها للقرار الأمريكي، إلى الثورة ضد الأنظمة العربية العميلة وهو يعتبر نفسه في القلب منها، فقد أعلن أن مسؤوليته حماية أمن إسرائيل، كما أنه يعمل في خدمة الكيان، ضماناً لاستمراره في حكم مصر، فالتنازل عن الجزيرتين «تيران وصنافير» كان من أجل إسرائيل، والتفريط في حصة مصر التاريخية من مياه النيل، هى لتوصيل المياه إلى إسرائيل، وحسب ما اذاعته القناة العاشرة الإسرائيلية، «والعهدة على الراوي»، أن ترامب قام بالتنسيق مع أولي الأمر في القاهرة والرياض!
فإذا كان مثلي يتفهم منع السيسي للمظاهرات الرافضة لقرار «المأسوف على شبابه» دونالد ترامب، فمالا أفهمه هو قيام قوات عبد الفتاح السيسي بالقبض على الزملاء أحمد عبد العزيز، وحسام السويفي، بعد مظاهرات محدودة على سلالم نقابة الصحافيين، نقلتها قناة «الجزيرة»، وقنوات الثورة في تركيا، لكن لم تنقلها القنوات المصرية. ولا يمكن تفهم هذا الإجراء إلا في سياق حرص عبد الفتاح السيسي أن يبدو عند حسن ظن صديقه نتنياهو، وتذكرت كيف احتشدت مصر الثورة أمام السفارة الإسرائيلية في القاهرة، وأنزلت العلم من فوقها، بعد العدوان على غزة، وأجبرت السفير على مغادرة مصر، فجاء من يحمي الكيان بقوة الدبابة من مجرد التظاهر بعيداً، ومع ذلك يهمز فينا ترامب ويلمز، وهو يتحدث عن إسرائيل باعتبارها واحة الديمقراطية في المنطقة، متناسياً أن بلاده هى الراعي الرسمي للاستبداد، وهى التي تسبغ شرعية على أنظمة الطغيان العربي بعد أن ضنت بها عليها الجماهير.
ما علينا، فلا أعرف ما الذي يغضب الأخ الاستاذ «مارك»، من إعادة نشر ما جاء على إحدى القنوات الإسرائيلية، من هذا التعاون الأبدي بين المخابرات الفلسطينية ونظيرتها الإسرائيلية، وكانت مناسبة طيبة، عرفنا من خلالها أن السلطة الفلسطينية تمتلك جهاز استخبارات، ويبدو أنها لم تشعر بأنها سلطة، إلا بإنشاء هذا الجهاز، وباعتبار الأنظمة في العالم العربي هى أجهزة أمنية أنشأت دولاً، وليست دولاً أسست أجهزة أمنية!

المخبر مارك

لا بأس، فقد أراد «مارك» أن يكشف عن حقيقة وظيفته وهي أنه ليس أكثر من «مخبر» في بلاط الأجهزة الأمنية، فتحرك بعقلية المخبر، الذي يستر العورات بطرف ثيابه، لا بمنطق الخبير الذي يعلم بأن الخبر وإن بثته التلفزة الإسرائيلية، فإنه في زمن السموات المفتوحة يصل إلى الجميع، ولدينا ما هو أهم منه، عندما رفض القيادي الفلسطيني «نبيل شعث» على قناة «بي بي سي» مقترحاً بحل السلطة الفلسطينية، وهى سلطة أنتجتها أوسلو، وبقرار الرئيس الأمريكي فإن أوسلو تكون قد أتلفها الهواء، وتعد السلطة الفلسطينية أفضل اختراع توصلت إليه إسرائيل، فهي سلطة لا تملك ولا تحكم، وإن كانت تقوم بمهمة «الضبط النضالي» على نحو يساهم في ضبط أداء الفلسطينيين أنفسهم، فلا يذهبون بعيداً على نحو يهدد أمن إسرائيل!
وفي الحقيقة فان هذا ليس دور السلطة وحدها، وإنما هو دور التنظيمات الأخرى، فكان بالتالي الرد المناسب على قرار ترامب، ليس فقط حل السلطة لنفسها، ولكن أيضاً أن تحل حماس، والجهاد، ومنظمة التحرير، وكافة الحركات الفلسطينية نفسها، ويتم الانتقال إلى مرحلة المواطن الفلسطيني الفرد، ليكون تحركه من رأسه، وليس بتوجيه حركي يضبط ويقمع، ويرشد ويبدد. أقصد تبديد الحماس في مصارف تحدث ضوضاء ولا تصيب هدفاً.

أين قطر؟

وأدرك تماماً أن مثل هذه المطالب هي غاية لا تدرك، تماماً مثل طلبنا من سلطة الانقلاب العسكري في مصر، أن تترك الجماهير تعبر عن غضبها، ضد هذا القرار الذي اتخذه ترامب، ولو من باب التخفيف من الاحساس بالمهانة عندما يصل لأسماع المصريين ما أذاعته التلفزة الإسرائيلية، من أن الرئيس الأمريكي وضع أهل الحكم في مصر والسعودية «في الصورة» قبل الاقدام على قراره، وأنه حصل على موافقتهما، والمؤسف أن نظام العسكر في مصر كان حريصاً على أن يبدو منحازاً لجانب إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية أكثر مما ينبغي، من خلال التوجيه لضبط اداء القنوات التلفزيونية التابعة له، والتي عزفت على نغمة واحدة، هي أين قطر؟ وكأن العالم الإسلامي كله ليس فيه سوى قطر، دون أن يكون السؤال وأين مصر؟ وقطر حضرت منذ اللحظة الأولى وباتصال بين الأمير وترامب، وبين الأمير وأردوغان، وبينه وبين عدد من القادة العرب، اللافت أن أياً من القادة العرب لم يتصل بحكام دول الحصار للتشاور، وكأنهم حصلوا على الجنسية الإسرائيلية!
كما أن قناة الجزيرة، المملوكة لقطر كانت على خط النار، ونقلت المظاهرات المنددة بالجريمة، وهو ما لم تفعله القنوات المصرية، خاصها وعامها، وبما فيها القنوات المملوكة لعبد الفتاح السيسي نفسه، فلم تنقل ولو مظاهرات نقابة الصحافيين المحدودة، فقد كانت الرسالة التي يراد ايصالها لنتنياهو أن السيسي مسيطر على المصريين ويحكمهم بالحديد والنار، فلم يستطيعوا الخروج كما كان يحدث من قبل، من هنا فلا معنى لحمله على إجراء انتخابات نزيهة من المؤكد أنه سيسقط فيها، اذن فليترك ينكل بالفريق أحمد شفيق، وتحتجز بناته في الإمارات كرهائن!
لقد أضحك رئيس لجنة العلاقات الخارجية في برلمان السيسي الثكالى، وهو يقول على قناة «أون»، إن قطر هي سبب اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقبل أن تفتح فمك وتحوقل وتقول يا سبحان الله، يعاجلك جنابه بتفسيره لهذا «لأن الدوحة سبب انشغال الدول العربية بالإرهاب»، ثم يستطرد فض فوه: «قطر لم تصدر أي رد فعل على إعلان ترامب»!
«موشح» مبتذل، هو الذي يلح عليه إعلام السيسي الخاص بأن قطر ترعى الإرهاب، وهل عجز الجيش المصري، والشرطة المصرية، وكل الأجهزة الأمنية ما ظهر منها وما بطن، وفي القلب منها المخابرات الحربية، في وقف الإرهاب القطري الذي شغل مصر عن أن يكون لها دوراً يليق بمقامها في مواجهة قرار اعتماد القدس كعاصمة لإسرائيل؟!
لقد حصل على عبد الفتاح السيسي من قبل على إجازة من الإرهاب ولأكثر من مرة، فأقام مؤتمرات في شرم الشيخ وأخرى في الاسكندرية ولأكثر من يوم، ألم يكن بمقدوره أن يحصل على اجازة منه ليقوم بمكالمة تليفون إلى ترامب يعلن فيه رفضه للقرار، أو يتشاور مع القادة العرب، ثم ما الذي كان سيعطل مسيرة مواجهة الإرهاب القطري إن ترك الجماهير تتظاهر وقد اكتفت بتفويضه لمواجهة الإرهاب دون أن تستدعى للتعبئة العامة؟!
كلام كالكلام، وقديماً قيل إذا كان المتحدث مجنوناً فليكن المستمع عاقلاً، واللافت أن المتحدث والمستمع في مهمة تكاملية، فليس للأخير أن يناقش هذه الترهات، وإن بدت تهريجاً أكثر منه كلاماً مسؤولاً، فهل فعلاً أن قطر لم يصدر منها رد فعل على قرار ترامب؟ لا بأس فقطر دولة صغيرة؟ فأين رد فعل مصر، في ظل الحكم العسكري المنبطح؟!
إنها أزمة التوجيه، فلم تعد «سماعة المذيع» تربط المذيع الألة برئيس تحرير البرنامج، وإنما أصبحت أداة لتلقي التعليمات الخارجية، وقد شاهدنا منها ما أضحكنا حتى البكاء، ومثل نموذجاً لهذه التعليمات الغشيمة، التي لا يمكن أن تصدر إلا من «بيادة»!
لقد ترك أحمد موسى ضيفيه، ضابط الشرطة متقاعد فاروق المقرحي، واستاذ جامعة الأزهر متقاعد أيضاً عبد الله النجار، واخذ يصرخ وقد بدا مخاطباً للعالم السفلي: «زبال.. حقير.. شوية زبالين..أي حاجة غير إنه فنان.. لا تجوز عليه سوى اللعنات.. عارفين البصق.. ابصقوا عليه.. عندما يراه الزبالون لابد أن يبصقوا عليه».. ويعود مرة ثانية وثالثة وهو يكرر «زبال .. حقير.. يا حقير.. انت حقير.. ابصقوا عليه»!
ولم يتركه المقرحي وصاحبه بالجنب ، فمع كل «وصلة» يكون السؤال: «من الحقير؟».. «من هذا الحقير»..»قل لنا من هذا الحقير؟».. «من الحقير هذا؟».. «قل لي عليه بيني وبينك لكي نبصق عليه»!
وكأنه لا يعرف أنهم على الهواء، فكيف يقول له عليه بينه وبينه لكي يبصق عليه. وبعد وصلة السب عن «الزبال.. والحقير» ووابل الأسئلة حول من يكون «الزبال الحقير؟» تكون الإجابة النموذجية: لا أعرف من هو؟!
إنه العمل الإعلامي في زمن البيادة.

Filtered HTML

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.
رمز التحقق
هذا السؤال للتآكد من انك زائر حقيقي و منع نشر السبام على الموقع
Image CAPTCHA
أدخل الحروف الظاهرة في الصورة.